الكلم الطيب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من ستقرأ أحداث المشاكل الاجتماعية , و الأزمات المعكّرة لصفو المجتمع , علم أن منشأها في الأغلب بوادر اللسان , و تبادل المهاترات الباعثة على توتر العلائق الاجتماعية , و إثارة الضغائن و الأحقاد بين أفراد المجتمع .
من أجل ذلك كان صون اللسان عن تلك القوارض و المبتذل , و تعويده على الكلم الطيب و الحديث المهذب النبيل , ضرورة حازمة يفرضها أدب الكلام و تقتضيها مصلحة الفرد و المجتمع .
فطيب الحديث , و حسن المقال, من سمات النبل و الكمال , و دواعي التقدير و الإعزاز , و عوامل الظفر و النجاح .
و قد دعت الشريعة الإسلامية إلى التحلي بأدب الحديث , و طيب القول , بصنوف الآيات و الأخبار , ورّكزت على ذلك تركيزاً متواصلاً إشاعة للسلام الاجتماعي , و تعزيزاً لأواصر المجتمع .
قال تعالى : " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن , إن الشيطان ينزع بينهم , إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا"* الإسراء : 53
وقال سبحانه : " و قولوا للناس حسنا " * البقرة : 83
وقال عز و جل : " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة , أدفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه و لي حميم "* فصلت : 34
و قال جلا جلاله : " و اغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير "* لقمان19
وقال عز من قائل :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولاً سديداً , يصلح لكم أعمالكم , و يغفر لكم ذنوبكم "* الأحزاب 70- 71
و قال رجل لأبي الحسن عليه السلام : أوصني . فقال ( أحفظ لسانك تعزّ , و لا تمكنّ الناس من قيادك فتذل رقبتك )
وجاء رجل إلى النبي صل الله عليه و آله فقال : يا رسول الله أوصني . قال : ( أحفظ لسانك ) . قال يا رسول الله أوصني . قال ( أحفظ لسانك ). قال : يا رسول الله أوصني . قال ( أحفظ لسانك , و يحك و هل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم !!).
وقال الصادق عليه السلام لعباد بن كثير البصري الصوفي ( و يحك يا عباد , غرك أن عنٍ بطنك و فرجك , إن الله تعالى يقول في كتابه الكريم ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله و قلوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم )* الأحزاب 70-71. إنه لا يتقبل الله منك شيئاً حتى تقول قولاً عدلاً )
و قال علي بن الحسن عليهما السلام : ( القول الحسن يثري المال , و ينمي الرزق , و ينسئ في الأجل , و يحبب إلى الأهل , و يدخل الجنة )
و عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله عليه و آله السلام : " رحم الله عبداً قال خيراً فغنم , أو سكت عن سوء فسلم "
و يُنسب للإمام الصادق عليه السلام هذا البيت :
عّود لسانك قول الخير تحظ به ...... إن اللسان لما عّودت معتاد
و نستجلي من تلك النصوص الموجهة ضرورة التمسك بأدب الحديث , و صون اللسان البذاء , و تعويده على الكلم الطيب , و القول الحسن . فللكلام العفيف النبيل حلاوته ووقعه في النفوس الأصدقاء و الأعداء معاً , ففي الأصدقاء ينّمي الحب , و يستديم الودّ , و يمنع نزع الشيطان , في إفساد علائق الصداقة و المودة , و في الأعداء يلطّف مشاعر العداء , و يخفف من إساءتهم و كيدهم . لذلك نجد العظماء يرتاضون على ضبط ألسنتهم , و صيانتها من العثرات و الفلتات .
فقد قيل أنه أجتمع أربعة ملوك فتكلموا :
فقال ملك الفرس: ما ندمت ما لم أقل مرة , و ندمت على ما قلت مراراً
و قال قيصر : أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت .
و قال ملك الصين : ما لم أتكلم بكلمة ملكتها , فإذا تكلمت بها ملكتني .
و قال ملك الهند : العجب ممن يتكلم بكلمة إن رُفعت ضرت , و إن لم تُرفع لم تنفع .
و ليس شيء أدل على غباء الإنسان , و حماقته , من الثرثرة , و فضول القول , و بذاءة اللسان .
فقد مرّ أمير المؤمنين برجل يتكلم بفضول الكلام , فوقف عليه فقال : ( يا هذا إنك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربك , فتكلم بما يعنيك و دع ما لا يعنيك ).
وقال عليه السلام : ( من كثر كلامه كثر خطأه , و من كثر خطأه قلّ حياؤه , و من قلّ حياؤه قلّ ورعه , من قلّ ورعه مات قلبه , و من مات قلبه دخل النار )
و عن سلمان بن مهران قال : ( دخلت على الصادق عليه السلام و عنده نفر من الشيعة , فسمعته و هو يقول :
" معاشر الشيعة كونوا لنا زيناً , و لا تكونوا علينا شيناً , قولوا للناس حسناً , و أحفظوا ألسنتكم , و كفّوها عن الفضول و قبيح القول ) .
و توقياًَ من بوادر اللسان و مآسيه الخطيرة , فقد حثت النصوص على الصمت , و عفة اللسان , ليأمن المرء كبوته المدمّرة : قال الصادق عليه السلام : ( الصمت كنز وافر , و زين الحلم , و ستر الجاهل ) . و عنه عليه السلام قال
: كان أبو ذر يقول : " يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير , و مفتاح شر , فاختم على لسانك , كما تختم على ذهبك وورقِك ".
و نُقل أنه اجتمع قس بن ساعدة و أكثم بن صيفي , فقال أحدهما لصاحبه : كم و جدت في ابن آدم من العيوب ؟
فقال : هي أكثر من أن تحضر , و قد و جدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها . قال : ما هي ؟
قال : حفظ اللسان .