"أم المصانع تجني على الزوجة ، والطالب ، والمدرسة ."
الكثير من الشركات التي منحت موظفيها القدامى مايسمى با " الباكج " لم تدرك أنها جنت كثيرا على المرأة المسكينة والمدرسة المسكينة والطالب البائس .
ربما أن بعضكم على أحر من جمر الغضى ينتظر مني تفسيرا مقنعا لهذه الجنايات الثلاث التي يستغرب رجال الجهات الأمنية أنها لم ترد إلى أظابير مكاتب شعبة الجنايات في دائرة الحقوق المدنية .
ولكني توفيرا للوقت والجهد أرى أنه من المناسب أن أبادركم بهذا المثال حتى نتيح لأشعة الشمس أن تضيء على بعض مما يمكن رؤيته من تأثير هذه الجنايات على الفئات الثلاث التي ذكرت .
أبو " هيرو" مهندس ، ونائب مدير عام الصرف الصحي في شركة أم المصانع يقول :
" تسع وعشرون سنة ، وأنا أمر على زوجتي لأسألها أسئلة خاطفة عن نفسها وعن الأولاد والمدرسة ، وعن البيت وأهلها والجيران ووجبة الإفطار والعشاء "
وعن الأولاد يضيف :
" لم أذكر أنني جلست معهم أو ناقشتهم أو سألتهم عن دراستهم أو مدارسهم ، أو عن علاقاتهم بزملائهم ومعلميهم ،،
أمهم تتابعهم ، وتوفر لهم كل مايريدون ،، تقرأ لهم وتكتب لهم وتسمّع لهم ، وتحل معهم واجباتهم ، وتتصل بمدارسهم ، وبخط يدها تكتب الأعذار لغيابهم وتأخرهم وتقصيرهم ،،،
هي من يذهب معهم الى السوق والملاهي والمطاعم ،، والحفلات والمهرجانات ،،
أما أنا فلم أعد أدرك كل هذه الأشياء إلا بعد أن استدعيت من إدارة الشركة ووقعت على الحقيبة "الباكج" التي تغص بالميزات التي من المتوقع أنني سأحصل عليها بقية سنوات خدمتي ، وخطابا يشكرني على التسعة والعشرون عاما التي غيبتي غيابا كاملا عن كل التزاماتي الأسرية والعائلية والاجتماعية ,،، "
ويضيف :
" في صباح اليوم التالي سارت الأمور على مايرام ،، ولكني مع مرور الأيام وضعت خطة " ماتخرش الميه " لمضايقة وتطفيش المرأة والأولاد والمدرسة والجيران .
كثيرة هي الأشياء التي بدأت التدقيق بها ، والتفتيش في صغائرها ،
مع العصافير أستيقظ ، وابدأ بثياب النوم مشواري الطويل في السير خلف المرأة المسكينة لأدق على رأسها بجحافل الأسئلة التي تسرطنت في ذاكرتي منذ اليوم الأول " .
من الذي اتصل ؟ ماذا تريد ؟ ماذا تقول ؟ لماذا اتصلت ؟ لماذا اتصلت في هذا الوقت ؟ ماذا قالت ؟ ماذا قلت لها ؟ من أين جئت ؟ إلى أين أنت ذاهبة ؟ من الذي طرق الباب ؟ ماذا يريد ؟ ماذا يريد في هذا الوقت ؟ ماذا تلبسين ؟ ولماذا تلبسين ؟ ولماذا لاتلبسين ؟ ماذا تأكلين ؟ تشربين ؟ تطبخين ؟ اين ذهبت ؟ مالذي تضعين في فمك ؟ لماذا تبتسمين ؟ لماذا تكشرين ؟ لماذا تضحكين ؟لماذا لاتضحكين ؟ لاتبتسمين ؟تبتسمين ؟ ،،،،،
كم هائل ،، وطوابير طويلة وعنيفة من الأسئلة التي يدق بها راس هذه المسكينة ، ويكافئها بها كل صباح .
ضحكت بنت الحلال في اليوم الأول ، وابتسمت في اليوم الثاني ، وتنهدت في اليوم الثالث ، وصبرت في اليوم الرابع ، وكشرت في اليوم الخامس ، وردت على بعض الأسئلة في اليوم السادس ، واحتقنت في اليوم السابع ، وتورمت في اليوم الثامن ، وانفجرت في اليوم التاسع ، وطلبت الطلاق في اليوم العاشر . وذهبت إلى أهلها في عصر ذلك اليوم ،،
قبل أن يصبح النهار فتى يتوجه طويل العمر المتقاعد الى المدرسة ويبدأ هناك في التفنن في صياغة أسئلة مختلفة ، ولكنها بنفس الحجم والكمية ، وتتناسب إلى حد ما مع الموقف ،، وتتناول المعلم والطالب والطالب الذي عن يمينه ، والذي عن شماله والذي قابله بالفسحة والحافلة ، والمعلم الذي تلفظ عليه والذي لم يسلمه دفتره وكراسته ، والذي أنقصه نصف درجة من المشاركة ، والذي أخذ قلمه ، والذي كسر قلمه ، والذي مزق ورقته ، والذي فت طخامته ، والذي سحب غترته ،، والذي تحدث عن قبيلته .
ويتنقل بكل جحافل الأسئلة تلك بين مكاتب المرشد الطلابي والوكيل والمدير وبحضور جميع المعلمين والشهود والمحلفين !!!.
في اليوم الأول أغضب المعلم ،، وألحقه بالمرشد الطلابي في نهاية ذلك اليوم .
في اليوم الثاني ألحقهما بوكيل المدرسة ،، وتردد في نهاية ذلك اليوم من استكمال ملف القضية في مكتب المدير .
لكنه في اليوم الثالث ألحق الجميع بالمدير ،، وانتقل يدبج خطاباته الى إدارة التعليم ،، وبالأخص إلى مدير عام التربية والتعليم ووكيل الوزارة والوزير .
بعد الظهر ، وبعد عودته الى منزله للغداء والراحة والنوم ، ولكي يقفل هذه المحاضر التي فتحها فقد كان يرسل رسائل جوال يضمنها توصياته للمرأة والمدرسة ،، يحثهما على الخوف من الله ،، ومراعاته في السر والعلن .
في المساء ، له موعد طويل مع الشات والمنتديات ، واجهزة الكنوود . وفي كل منهما يعرض قضية العصر التي لم تظهر أعراضها السيئة إلا على محياه وهيئته ، وطريقته في الحديث والتخاطب مع الآخرين .
استوقفت أحدهم وقلت له اقتربت الاجازة الصيفية وأنا بصراحة أخاف من هذا الفراغ القاتل أن لايجد له زبائن يذيقهم صنوف العذاب ، ويصب جام غضبه عليهم . أو أنه يمتد إلى أناس أخرين لاناقة لهم تحلب ، ولا جملا يركب .
قال ماذا تقصد ؟
قلت أنت تذكرني بذلك العسكري التركي الذي لم يعتد طوال الأربعين عاما التي هي مدة خدمته مع جنود وعسكر الجندرمة في البصرة إلا اصدار الأوامر ، ولم يحصل على إجازة خلال فترة خدمته ، وفي نهاية تلك الخدمة البائسة لم يحصل إلا على " باكج " اصدار أوامر تخلو من الميزات المعنوية والمادية .
وبعد تقاعده عندما لم يجد من يصدر إليه أوامره ،، فقد عمد إلى وضع أزيار من المياه البارده أمام منزله ، ولون أغطيتها ، وملأها بالماء ، وجلس في وسطها ، وبدأ يصدر الأوامر :
" الأخضر بارد ، الأحمر ماصخ ،، الأزرق توي معبيه ،، اشرب من الأبيض ،، لاتشرب من اللي غطاه أسود ،، صكوا الماء !!!،، "
وهكذا عمل عملا صالحا حتى توفي رحمه الله وهو يناهز الثمانين عاما .
فزع صاحبي ،، وقال : أنا من باكر أبي أروح لسوق السمك .
قلت : وش تعمل هناك ؟
قال : أنا ، أبوي ، أصلا سماك ، يصيد سمك ، وهذه مهنة العائلة .
قلت : مهنة شريفة ،، لكن ، ترك مسوي خير ، وفكنا الله يخليك ويوفقك في مهنتك القديمة الجديدة " .