
05-22-2009, 06:27 PM
|
| |
البطالة الثقافيه خيري منصور
لو أصدر ألف كتاب ، أو مئة رواية وديوان شعر ، لشعر بالبطالة اذا لم يجد مساحة أو حتى هامشا يعبر فيه عن موقف اخلاقي أو سياسي ، خصوصا في أزمنة ينعدم فيها الوزن وتنعطب فيها البوصلات ، فلا يدري الناس ان كانوا مُقبلين أم مدبرين ، وان كانوا مشرقين أم مغربين ، وان كانوا هنا أو هناك، وبطالة المثقف العربي جزء من بطالة شاملة ، توقفت فيها المجتمعات عن النمو واصبح الحراك فيها اشبه بالنافورة التي تسيل حول نفسها وتراوح في مساحة لا تتجاوز القبر.
وثمة مثقفون عرب أتقنوا خداع الذات اكثر من أية حرفة اخرى ، لأنهم وجدوا ضالتهم في مفاهيم ونظريات أنهى التاريخ صلاحيتها ، ومنها بل في مقدمتها تجاهل ما يحدث في العالم ، بحجة التفرغ والاستغراق في الثقافة ، وكأنها سجادة شرقية مليئة بالنّمنمات ، ولا يهم ان كانت سترمى تحت أقدام السلاطين أو على جدران المتاحف.
لقد أصبح اليأس من التغيير عادة مكتسبة وموروثة وتوشك أن تتحول الى فطرة مضادة لفطرة الانسان ، فمن يعيشون من المهد الى اللحد وهم مذعورون كالفئران لا يتقنون شيئا قدر اتقانهم للتخفي والفرار ، فالرّشاقة كلها مكرسة للادبار لا للاقبال.
ان بطالة المثقف سواء كانت ذا بعد سياسي أو اجتماعي هي أحد اسباب انصراف الناس عن الثقافة وشجونها.
وأمامنا أمثلة لا تحصى ، عن امسيات شعرية يرتادها عدد لا يتجاوز أصابع اليدين والقدمين ، وحفلات توقيع تبدو عائلية لفرط انغلاقها وشحة زبائنها.
لماذا يقبل الناس على القراءة أو الاصغاء اذا كانوا يحزرون مسبقا ان ما سيقرأون وما سيسمعون هو كلام منزوع الدسم ، ومكتوب بحبر معقم والوعي فيه مجرد تطريز على الهواء؟
ان ما قاله د. يوسف ادريس ذات يوم عن الحرية المتاحة للتعبير في عالمنا العربي بأنها لا تكفي كاتبا واحدا ضاقت الان اكثر ، واصبحت لا تكفي قارئا واحدا.
والمفارقة ان المثقفين الذين يعانون الاهمال والعزوف واحيانا الاقصاء يتفرغون لنهش بعضهم ، على طريقة المثل القاسي القائل بان من يخشى الحمار يعض البردعة.
كيف يمكن لفرد اختزلت أحلامه واشواقه الى البحث عن مصدر رزق بحيث يعيش كالمتسول من وجبة الى وجبة أن يلعب دورا في تغيير العالم؟
انه بانتظار ما يطرأ لتغييره وليس العكس ، فهو رد فعل ومفعول به وليس فعلا أو فاعلا.
اما العوامل التي تحالفت من أجل هذه البطالة فهي عديدة ، منها التربوي الخائب والخائف ، ومنها سايكولوجيا النميمة والاستعداء. ومنها اساءة فهم الدور التاريخي للمثقف ، فهو ليس وعاء متنقلا للمعلومات ، لأن الكمبيوتر ينوب عنه في هذه الحالة، انه موقف أولا وأخيرا،،
جريدة "الدستور" الأردنية |