غرة رجب 1430 هـ الأربعاء
الدولار: لماذا هو عملة الاحتياطي الدولي
بقلم: مجدي صبحي
لايعد النظام النقدي الدولي ـ مثله في ذلك مثل أي نظام دولي آخر ـ وليدا للرغبة أو المطالبة, ولا حتي استجابة لمقتضيات الكفاءة أو العدالة, بل إن النظام, مثل أي نظام دولي آخر, يعد وليدا طبيعيا لهيكل القوة العالمية في اللحظة التي يتم فيها فرضه, ثم لمدي قدرة ونجاح النظام في تحقيق مصلحة الأطراف الأساسية الفاعلة فيه. وقد نشأ نظام النقد الدولي الراهن قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية عقب مفاوضات جرت في مدينة بريتون وودز الأمريكية, والتي علي أساسها قامت مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتم اعتماد الدولار كعملة الاحتياطي العالمي.
وفيما يتعلق بهيكل القوة الاقتصادية القائم عند انتهاء الحرب, كانت معظم اقتصادات العالم وعلي رأسها بلدان اوروبا المتقدمة صناعيا قد دمرت تماما, ولم يستثن من هذا المصير سوي بلد واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية, إذ كان الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي عند نهاية الحرب يزيد علي نصف إجمالي الناتج المحلي العالمي, كما ان الولايات المتحدة كانت القوة التجارية الرئيسية في العالم, وبحسب الإحصاءات المتاحة عن عام1948 فإن الصادرات الأمريكية كانت تبلغ مايزيد علي22% من جملة الصادرات العالمية, بينما بلغت الواردات نحو13% من جملة الواردات العالمية, وبالتالي كانت الولايات المتحدة تحقق فائضا في ميزانها التجاري. كما انه عند نهاية الحرب كانت احتياطيات الذهب لدي الولايات المتحدة تصل الي قرابة60% من احتياطيات الذهب الرسمية العالمية, وارتفعت في أواخر عام1957 لتتفوق بنسبة3 إلي1 علي كافة الاحتياطيات الدولية لدي البنوك المركزية حول العالم. إضافة الي التزام الولايات المتحدة بتحويل عملتها الي مايقابلها من ذهب, وهو ماشكل ضمانة كافية لبقية بلدان العالم لاعتماد الدولار عملة الاحتياط الدولية.
ومن المؤكد ان النظام النقدي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة كان يحقق لها مصالح مباشرة كبيرة أولاها تسهيل استمرار تفوقها الاقتصادي وتحقيق الهيمنة الامريكية منفردة علي النظام الدولي, وهو ماتم اولا بعدم تصديق الاتحاد السوفييتي علي اتفاقات بريتون وودز رغم مشاركته في مفاوضاتها, والثانية بحصول الولايات المتحدة علي حصة نسبية تعادل33% من جملة الحصص في المؤسسات المالية الوليدة, وهو مايعطيها عمليا حق الفيتو علي أي قرار لاينسجم مع مصالحها, علاوة علي حق تسمية رئيس البنك الدولي لإعادة الإعمار الذي كان ينظر إليه في ذلك الوقت علي أنه المؤسسة الأكثر أهمية بحكم انه المخول بمنح القروض لإعادة إعمار البلدان الي دمرتها الحرب. أما البلدان الأخري الفاعلة في النظام
وعلي رأسها بلدان أوروبا فقد كانت بحاجة لإعادة إعمار اقتصاداتها, وهو ماتم بتوجيه اول قروض تمنحها المؤسسات الدولية الجديدة لها, ثم عبر ماعرف بمشروع مارشال الأمريكي, وكان هذا المشروع يمول تدفق الصادرات الأمريكية, وهو ماجعل ميزان التجارة في صالح الولايات المتحدة لفترة طويلة من الوقت, حيث استمر الميزان في تحقيق فائض حتي عام1968. وكما يقول روبرت ماندل الحائز علي جائزة
نوبل في الاقتصاد لمساهماته في موضوع النقد الدولي: فإن امريكا خرجت من الحربين العالميتين باعتبارها القوة المهيمنة عسكريا وصناعيا وماليا وأصبح الدولار هو العملة العالمية. إنها حقيقة تاريخية تقليدية وهي ان القوة الأكبر هي التي توفر العملة الأقوي, فالنقود ظاهرة سياسية تعكس ـ وتشكل الي حد ما ـ الوضع السياسي في العالم. وتبعا لذلك فإن القوة السياسية الرئيسية كان لها عادة دور قيادي في إقرار او رفض طبيعة النظام النقدي الدولي. وعلاوة علي دور الدولار كوسيلة دفع, فإن التزام الولايات المتحدة الامريكية بقابلية تحويله الي وزن محدد من الذهب كانت تدعم باستمرار من الثقة فيه,
وعززت من مكانته دون منازع كعملة الاحتياطي الدولي. وحينما استرجعت الدول الأوروبية قدراتها الاقتصادية وخرجت اليابان بعد الحرب كقوة اقتصادية جديدة, وبداية تحقيق هذه البلدان لفوائض في موازين مدفوعاتها لم يكن هناك اية خشية من الاحتفاظ بالاحتياطيات في صورة دولارات طالما ان هذه الدول وغيرها يمكنها بسهولة وفي اي لحظة شاءت ان تحول هذه الدولارات الي ذهب. وكما يقول ماندل أصبح الدولار عملة المدفوعات الأساسية, والموجودات الاحتياطية, ووحدة المحاسبة, ووحدة لإجراء العطاءات والتعاقدات, ومرجع القيمة,
ووحدة الدفع المؤجل, ومقياس الأسعار العالمية, ومؤشرا للتعاملات الدولية ليحل محل الجنيه الإسترليني ـ تدريجيا وليس فورا ـ بعد عام1949. وكانت الولايات المتحدة في ظل هذه المكانة, قد استمرأت طبع المزيد من الدولارات, إذ لم تكن تخشي ارتفاع معدل التضخم الناتج عن الإفراط في السيولة النقدية المتاحة في الأسواق طالما ان دول العالم اجمع تقبل طوعا استيعاب اي كمية من الدولارات. و
المصدر / الاهرام المصريه